محمد أبو زهرة
29
المعجزة الكبرى القرآن
ذكر البخاري والترمذي ، وقد ذكرا أن حذيفة عندما آب من هذه الغزوة دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى أهله فقال : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك . قال عثمان : في ما ذا ؟ قال : في كتاب اللّه ، إني حضرت هذه الغزوة ، وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز ، ووصف له ما كان من الاختلاف والتكفير ، وقال : إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم ، كما اختلف اليهود . أفزع هذا الأمر عثمان التقى ، كما أفزع المؤمنين الذي علموا ذلك النبأ الخطير ، ولكن الفزع لم يوهن العزيمة بل شحذها ، ولم يضعف الإرادة بل حفزها ، وكانت عزمة ذي النورين عثمان . لقد أحضر النسخة المحفوظة عند أم المؤمنين حفصة لتكون الإمام الذي يحتكم إليه فيما هو مقدم عليه ، وجمع من الصحابة الحافظين الكرام بضعة على رأسهم زيد ابن ثابت الجامع الأول ، والثقة الثبت الذي كان له فضل التثبت في كل كلمة وآية . وقد قال له عثمان رضى اللّه تعالى عنه عندما ندبه لذلك العمل الجليل : إني مدخل معك رجلا فصيحا لبيبا فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلى ، فجعل معه أبان وسعيد بن العاص ، فلما بلغا في الكتابة قوله تعالى : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 248 ] . قال زيد : فقلت التابوة وقال سعيد بن العاص التابوت ، فرفعنا الأمر إلى عثمان ، فكتب التابوت . وكان جملة من ضمهم إلى زيد ثلاثة هم عبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص الذي ذكرناه وعبد الرحمن بن الحارث ، وقال لهذا الرهط من قريش : ما اختلفتم فيه أنتم وزيد ، فاكتبوه بلسان قريش ، فإنه نزل بلسانهم . ويظهر أن سيدنا عثمان لم يكتف بهؤلاء الأربعة ، بل كان يضم إلى معاونتهم من يكون عنده علم بالقرآن يعاونهم في كتابته ، ولقد روى ابن عساكر أن عثمان دعا إلى هذه المعاونة فقال : إن عثمان خطب يومئذ في الناس وعزم على كل رجل عنده شئ من كتاب اللّه لما جاء به ، ويقول ابن عساكر فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ، ثم دعاهم رجلا رجلا ، فناشدهم : أسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو أملاه عليك ، وهكذا كان يتثبت في الرواية ، كما كان التثبت من زيد ومن معه ، والذي كتب المصحف الأول الذي أودع أم المؤمنين حفصة رضى اللّه عنها وعن أبيها فاروق الإسلام . وقد أتم زيد ومن معه جمع القرآن ، ولكن عثمان لا يكتفى ، بل إنه يسير في الاستيثاق إلى أقصى مداه ، فيحضر مصحف أم المؤمنين حفصة ، ويعرض المصحف الجديد ، فيجدهما يتوافقان تمام التوافق ، لا يزيد أحدهما عن الآخر حرفا ولا ينقص